
عند الساعة الرابعة وثلاث وأربعين دقيقة من فجر الثلاثاء لم يكن دوي الانفجار الذي هز محطة المرخيات غرب أم درمان مجرد عطل فني، كان إعلاناً صريحاً بأن الحرب في السودان دخلت طورها الأخطر، حرب البنى التحتية. خلال ثمان وأربعين ساعة فقط شهد السودان إظلاماً شاملاً على مرحلتين، يوم الاثنين هجوم منسق بخمس مسيرات استهدف خمس محطات تحويلية رئيسية هي سنجة والفاو والحواتة ومشكور والجنيد فخرجت أربع ولايات كاملة عن الخدمة هي سنار والقضارف والجزيرة والنيل الأبيض، ويوم الثلاثاء مسيرة واحدة ضربت القلب النابض للشبكة القومية محطة المرخيات فانقطع التيار عن الخرطوم ونهر النيل وولايات أخرى، وهذه ليست حوادث معزولة بل هي ست هجمات خلال أكتوبر وحده شملت الدبة ومروي وعطبرة والرصيرص وتندلتي والفاو وقبلها كانت أم دباكر وستيت وبورتسودان.
والسؤال الذي يفرض نفسه لماذا تكفي مسيرة واحدة لإطفاء دولة كاملة، أليس لأن شبكتنا القومية بنيت كجسد واحد بلا أنظمة عزل حديثة فإذا سقطت محطة واحدة انهار الجهد وخرجت باقي المحطات تلقائياً، وأليس لأن محطة الكهرباء بطبيعتها هدف هش وساحة مفتوحة من المحولات والأبراج على مساحة كيلومترات لا تحتاج لصاروخ موجه بل لمسيرة رخيصة تحمل كيلوغراماً من المتفجرات لتدمر محولاً ثمنه مليونا دولار.
وأين الحماية، وهل يعقل أن تترك محطات تغذي ملايين البشر بلا منظومة واحدة مضادة للمسيرات، وكيف لدفاع جوي صمم لاعتراض المقاتلات أن يصطاد طائرة بلاستيكية تطير على ارتفاع مئة متر، ومن أين تأتي أجهزة التشويش والرصد وهي نفسها تحتاج لكهرباء ومال وقطع غيار غير متوفرة، وإذا كانت المصادر العسكرية تقول إن المسيرات انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية على مسافة أربعمئة كيلومتر فمن الذي يراقب الحدود ومن الذي يحمي العمق.
والسؤال الأهم من يدفع الثمن، هل يدفعه طرفا القتال أم يدفعه مريض الفشل الكلوي في بحري حين تتوقف ماكينة الغسيل وطفل في الجزيرة حين تتوقف محطة المياه وتاجر في أم درمان حين تفسد بضاعته، وإلى متى ستظل مسيرة واحدة قادرة على أن تطفئ بيتك في أم درمان ومستشفى في سنار ومصنعاً في الجزيرة في نفس اللحظة، ومتى ندرك أن استهداف الكهرباء ليس عطلاً عابراً بل جريمة حرب تدار بدم بارد.


